علمنا ربنا أن نستفيد من الأحداث ومن أخبار من سبقونا سواء كانوا من أهل الإيمان وحسن التدبير، أو كانوا من أهل الكفر أو الذين لا يعقلون، فكيف بمن هم من أسلافنا ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه، وممن نحن بتديننا وامتداد حضارتنا لسنا غير ثمرة من ثمار جهودهم وجهادهم، وحسنة من بذلهم وتضحياتهم؟ وقد شكلت الهجرة منعطفا حاسما في تشكل أمة الإسلام، وحري بالمومنين تدبر تلك البدايات والمعاني التي كانت تحرك رجالها ونساءها، لأخذ الدروس والعبر والتزود بالوقود الحضاري للمضي قدما في درب الإصلاح والتجديد والبعث والإحياء والتوحيد ونفض غبار التخلف والجمود والتمزق والعجز والتردد، ذلك أن إنعاش الذاكرة باللحظات المشرقة ينفخ الروح في العزائم والإرادات.
نظرة في مفهوم الهجرة:
الهجرة حركة وفعل في المكان أو الحال، تنافي السكون والجمود. هجر للكفر والفسوق والفساد وانطلاق نحو بناء صرح الإيمان والطاعة لرب العالمين والصلاح والإصلاح والعمران، حركة تحتاج لزاد وطاقة، وبذل وتضحية، وأحيانا لتجميع طاقات الخير المبثوثة في مجتمع الجاهلية والانحراف، ليملك أهل الإصلاح الاستقلال وحرية القرار في بناء الذات للانطلاق نحو تحرير الإنسان وفتح أوراش من الفتوح تهم العباد والبلاد. فالهجرة المكانية من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة بالأساس والتي توجت بهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمرت زمانا لمدة ثمان سنوات إلى عام الفتح، أسست لهجرة معنوية دائمة في قلوب وعقول وسلوك المومنين إلى قيام الساعة، حيث يهجرون الشرك إلى التوحيد، ويهجرون المعصية إلى الطاعة، ويهجرون البدعة إلى السنة. ومع كل ذلك يهجرون الفساد إلى الصلاح والفرقة إلى الوحدة، وأحوال الذلة إلى مراقي العزة، أو هكذا ينبغي أن تبقى الهجرة في الوعي والذاكرة. فالمعنى المادي والمعنوي في الهجرة كانا متلازمين من البداية.
أورد الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير 1/844 عن ابن السعدي ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل . فقال معاوية , وعبد الرحمن بن عوف , وعبد الله بن عمرو بن العاص : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الهجرة خصلتان : إحداهما: تهجر السيئات , والأخرى: تهاجر إلى الله ورسوله , ولا تنقطع ما تقبلت التوبة , ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب , فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه , وكفى الناس العمل"
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"
و روى مسلم عن معقل بن يسار المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العبادة في الهرج (وفي رواية والفتن)، كهجرة إلي "
مقاصد الهجرة وغاياتها:
بين الله عز وجل دواعي الهجرة المكانية والتي يمكن إجمالها في طغيان الظلم واشتداد الفتن وعدم القدرة على التغيير من الداخل بحيث يصبح الإنسان مهددا في دينه ومبادئه، قال تعالى:"وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)النحل
وقال تعالى:"ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (110)النحل
وبين هذا المعنى ما جاء في صحيح البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي فسألناها عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم. كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية"
فالهجرة ثبات على المبدأ، وقرار بعدم الاستسلام لمخططات أعداء الدين التي تستهدف قتله في النفوس أو حتى التخلص من تلك النفوس التي تحمله، وخنق الدعوة حتى لا تمضي بعيدا في الآفاق، فتكون الهجرة تغييرا لموقع المدافع إلى موقع الهجوم على الباطل ودحره، والإسهام في إعلاء كلمة الله. ولهذا اختلفت أحوال المهاجرين بحسب مقاصدهم. روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"
معاناة الهجرة ومحنة المهاجرين:
الهجرة في الدين عبادة وطاعة، تحتاج إلى بذل وتضحية ومقاومة لوسواس الشيطان بالقعود والاستسلام. وقد كانت هجرة المسلمين امتثالا لأمر الله ورسوله بعدما ضاقت بهم السبل في مكة. قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)النساء
روى البخاري عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس تلا "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان" قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله " وأمه لبابة بنت الحارث أخت ميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنوات. فكان وأمه من المستضعفين.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالهجرة،روى الترمذي في سننه وقال عنه حسن صحيح غريب عن الحارث الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، وإنه كاد أن يبطئ بها . وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن : السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة ، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع . ومن ادعى دعوى الجاهلية ، فإنه من جثى جهنم ، فقال رجل : يا رسول الله وإن صلى وصام ؟ فقال : وإن صلى وصام . وأورد الألباني في السلسلة الصحيحة 1937 عن أبي فاطمة الأيادي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها .." إلى آخر الحديث.
وبقي النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر أمر الله له بالهجرة ، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين" وروى الترمذي في سننه عن عبد الله بن عباس قال :"كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، ثم أمر بالهجرة ، فنزلت عليه : { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا }
وقد كانت للمسلمين معاناة في طريق هجرتهم تبين مقدار ما بذلوا ليبقى الدين حيا في القلوب وفي الحياة، فهذا صهيب الرومي يتنازل عن جميع ماله، أورد ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية 4/287 عن أبي عثمان النهدي قال:"إن صهيبا حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له كفار قريش : أتيتنا صعلوكا فكثر مالك عندنا وبلغت ما بلغت ، ثم تريد أن تخرج بنفسك ومالك ، والله لا يكون ذلك ، فقال لهم : أرأيتم إن أعطيتكم مالي أتخلون سبيلي ؟ فقالوا : نعم ، فقال : أشهدكم أني قد جعلت لكم مالي ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ربح صهيب ربح صهيب "
وفي الهجرة صعوبة فراق الأهل والأحباب، من ذلك ما رواه أبو داود في سننه وصححه الألباني عن عبدالله بن عمرو قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال ارجع عليهما فأضحكهما كما أبكيتهما "
وفي الهجرة التعرض للجوع ونقص المؤونة، من ذلك ما أورده الألباني في السلسلة الصحيحة 2580 وقال عنه حسن، عن عمير مولى آبي اللحم قال:"أقبلت مع سادتي نريد الهجرة ، حتى دنونا من المدينة ، قال : فدخلوا المدينة و خلفوني في ظهرهم ، قال : فأصابني مجاعة شديدة ، قال : فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا لي : لو دخلت المدينة فأصبت من ثمر حوائطها ، فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين ، فأتاني صاحب الحائط(بستان النخيل) ، فأتى بي إلى رسول الله و أخبره خبري ، و علي ثوبان ، فقال لي : ( أيهما أفضل ؟ ) ، فأشرت له أحدهما فقال : " خذه " ، و أعطى صاحب الحائط الآخر ، و ( خلى سبيلي )
وفيها فقر شديد وعري، روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال :"جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا.." إلى آخر الحديث.
ولم يمنع الحمل النساء من الهجرة لمسافة تناهز 500 كلم معظمها صحراء،ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أن أسماء بنت إبي بكر رضي الله عنهما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى .
وأما عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم المفصلة في كتب السير فتبرز مقدار المعاناة بدءا من الحكم بالقتل في دار الندوة والتسلل بين السيوف المشرعة، وترك علي رضي الله عنه على فراش أقل ما يوصف به أنه "فراش الموت" وتورم قدمي النبي صلى الله عليه وسلم حتى اضطر أبو بكر إلى حمله عندما صعدوا إلى الغار، وحال الغار المليئة بالهوام والعقارب حيث اضطر أبو بكر إلى تمزيق أجزاء من ثيابه وسد ثقوبه، وحال استنفار قريش والجوائز التي رصدتها، ووصول طالبهما إلى فم الغار، بحيث لو أبصر أحدهما عند قدميه لرآهما، وحكاية المغامرين في طلبهما كأمثال سراقة الذي كاد يدل عليهما لولا لطف الله تعالى…
مكانة الهجرة والمهاجرين:
فالهجرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم شأنها شديد، وهي منزلة عظيم من منازل الإسلام، قعد الشيطان بأطرقها كما قعد لمن يريد الإسلام أول مرة ولمن يريد الجهاد، وهي سنة عدد من الأنبياء، كإبراهيم عليه السلام الذي قال " وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48)مريم ، وَقَالَ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) فتنقل بين العراق ومصر وفلسطين والحجاز، وكاد يفتن في زوجته "سارة" فتنة شديدة، لولا لطف الله وحفظه.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |